آسيا و المحيط الهادئ
لماذا وقعت أمريكا مع طالبان اتفاق سلام؟

أمريكا التي تدعي أنها تقود العالم الحر وهي رمز الديمقراطية والقوة العظمى في الوقت الراهن بالعالم تتفق مع مجموعة أصولية دينية ترمز للرجعية في الشرق الأوسط!! قبل 19 عاماً بالضبط هاجمت أمريكا أفغانستان من أجل إزاحة طالبان عن سلطتها المطلقة بأفغانستان وبذريعة حفظ أمن المنطقة وهجمات 11 من أيلول 2001م ولأن طالبان أعطت الأمان لإبن لادن منفذ هذه العمليات الإرهابية ولكنها الآن مجبرة على توقيع اتفاقية سلام مع طالبان! ولكن لماذا؟

يمكن استكمال هذه المقالة عن طريق الاستشهاد بآراء المسؤولين السياسيين لطرفي الصراع والإستناد لبعض الأمور الماضية ولكن من الأفضل اغتنام الفرصة والبحث في جذور القصة.
ومن الأفضل أن نبدأ بمفاهيم السلام والحرب. السلام يعني أن أطراف النزاع تتقبل حدود قدرة بعضها البعض! وتبدأ الحرب عندما لاتكون هذه الحدود مقبولة على الأقل من أحد الطرفين؛ لذلك عادة مايكون السلام في أعقاب الحروب أي عندما يدرك الجانبان بحدود قوة الطرف المقابل وليس لديهم القدرة على الاستمرار في القتال.
لا توجد دولة بدون حكومة ولا العالم بدون إمبراطورية وقوة عظمى! بعد كل حرب واسعة النطاق في العالم تظهر إمبراطورية لديها العديد من المنافسين من أجل الاستيلاء عليها على أمل أن يجدوا مكانة أو على الأقل أرضية لذلك، لأن التاريخ هو بالأساس تحول بالسلطة بين الدول وكلما تبدلت السلطة أكثر سيكون انهيارها أكبر ولها أهمية بالتاريخ. وهذه الطريقة هي التي حفظت الاسم والنسب في تاريخ البشرية من الماضي وحتى الآن ووفقاً لهذا ستستمر في التواجد حول العالم. الإمبراطور هو من يحدد سلطة المنافسين وكافة الدول الأخرى وبشكل يحدد قوانيين العالم ومعاييره وبالتدريج تصبح حدود سلطة هذا الإمبراطور لاتطاق بالنسبة للآخرين وذلك لأن بقية الدول تشعر أنها أصبحت قوية أو تشك في أن الإمبراطور بحالة سقوط وحان وقت صنع التاريخ. لذلك يعززون من عملية انهياره وطريقه بداية حرب شاملة.
والقوة العظمى الحالية هي أمريكا حيث حصلت على هذا اللقب بعد الحرب العالمية الثانية. لقب لم يكن يسعى الشعب الأمريكي خلفه!
(كما أخبرني ذات يوم أندريه مالرف: الولايات المتحدة هي أول دولة في التاريخ تصبح قوة عالمية دون أن تريد ذلك بنفسها)
“انتصار بدون حرب\ريتشارد نيكسون\ص16”
ومنذ ذلك الحين إلى الآن حاولت كثيراً العديد من الدول والأيديولوجيات الإطاحة بها. وكأمثلة على ذلك الشيوعيون الروس والإسلاميون في الشرق الأوسط وفي الوقت الراهن الصين.
والهدف من هذه المقالة دراسة أسباب وقوع حادثة أيلول عام 2001م وسبب حدوث الحرب الأمريكية على أفغانستان والسلام المفاجىء لأمريكا بعد 19 عاماً من الحرب في ضوء ما سبق.
من أين بدأت القصة بالفعل حيث وصل الأمر إلى 11 أيلول؟ الإسلاميون العرب بمن فيهم أسامة بن لادن كان يبحثون عن إحياء إمبراطورية العرب المسلمين وإخراج الكفار والأجانب من البلاد الإسلامية. وقد استطاعوا جلب البلاء على رأس السوفييت في ثمانينيات القرن العشرين (في الحقيقة بمساعدة كاملة من الغرب وقيادة أمريكية)، وكان يسعون لتكرار هذا المشروع في مواجهة أمريكا. ولكن ما الذي دفع بالإسلاميين وعلى رأسهم بن لادن للصراع مع داعمهم الرئيسي أي أمريكا في حرب أفغانستان مع السوفييت؟ حيث تعود التوترات الأولى لإبن لادن مع أمريكا بدخول اليهود المهاجرين من الاتحاد السوفيتي المنهار إلى إسرائيل.
(المخرج المصري عصام الطويل الذي غطّى أخبار بن لادن خلال جهاده بأفغانستان، شاهده أول مرة في السعودية عام 1990م ويتحدث عما قاله بن لادن في خطبته الأولى بمعارضته الكاملة لأمريكا: عندما تحول [بن لادن] كنت هنالك. وبعد انتهاء الحرب الأفغانية سُمح له بأن يخطب في أحد مساجد السعودية. وكانت خطبته حول إسرائيل ودعم أمريكا لها حيث أحضرت مليون مهاجر من روسيا إلى إسرائيل وعقّدت المشكلة الفلسطينية…. حيث هاجم أمريكا بشكل عنيف في خطبته هذه. وطلب من كافة الشعوب العربية قطع علاقتهم بأمريكا. [وقال] يجب علينا اتخاذ موقف من أمريكا التي تدعم إسرائيل)
“أسامة بن لادن\بيتر إل برغن\ ص165”

ويعود توتر آخر إلى حرب الخليج الأولى. حيث لم يكن بن لادن يتعاطف مع صدام أبداً وخاصة من حيث الأفكار والمعتقدات؛ وذلك لأن بن لادن يعتبر حزب البعث علمانياً وكافراً وقريب من الأحزاب الشيوعية التي لايقبلها بالأصل (وعلى الرغم من أن صدام في التسعينيات  وبعد حرب الخليج الأولى جعل من العراق إسلامياً بالكامل وذلك لحاجته لدعم الإسلاميين ولاسيما السُنة ولم يعد هنالك إقبال على العروبة والبعث في العالم العربي). وبعد الغزو العراقي للكويت خالف بشدة طلب السعودية للمساعدة من أمريكا وتزويدهم بالقواعد.
(الأمير تركي رئيس المخابرات السعودية السابق: اعتقد بن لادن بأنه يستطيع تجهيز جيش لمواجهة قوات صدام. ومن جهة أخرى عارض استسلام المملكة المبني على دعوة القوات الصديقة [الولايات المتحدة]. وبالنظر لهذا أدار ظهره للحاكم ورفض فتاوي علماء المسلمين الذين دعوا لخطو كبيرة لمواجهة غزو صدام. رأيت تغييرات جذرية في شخصيته عندما تحول من شخص هادىء ومسالم ويحب مساعدة المسلمين لشخص يعتقد بأنه يستطيع جمع جيش وقيادته ليُحرر الكويت. وقد كانت علامة على غطرسته وتكبره)
“ذاتها\ص 167”

وفي مقال آخر بعنوان (كيف دُمّر العراق) استطاعت أمريكا من خلال خطة بإجبار العراق على غزو الكويت ولكن لماذا سعت أمريكا لتبرير هجومها على العراق وتواجدها العسكري بالشرق الأوسط؟ حيث كشف نيكسون سنة 1988م أي ثلاث سنوات قبل بدأ حرب الخليج في كتابه عن سبب هذا الإجراء.
(منذ عام 1953م وحتى عام 1979م كانت إيران في ظل نظام الشاه بمثابة الركيزة الأساسية للأمن الغربي في المنطقة. وخلال السيتينات عندما خرجت بريطانيا من شرق السويس، لم تستطع أمريكا بأكثر من خمسمائة ألف من قواتها في الفيتنام بسد الفجوة وقد ملأ الشاه هذا الفراغ. حيث قام بخطة واسعة من أجل تحديث قواته المسلحة. وقامت قواته البحرية بدوريات في الخليج وشكل جيشه عقبة أمام أي تقدّم للسوفييت. وقام بحماية السعودية وباقي الشيوخ الضعفاء. وعمل مع دول الخليج الأخرى لتطوير الترتيبات الأمنية في المنطقة. وعندما سقطت حكومة الشاه عام 1979م تم خلق فراغ بالسلطة في الوقت ذاته عندما كانت موسكو قادرة على ملئه. أي أنه لو بقي الشاه فهنالك احتمال كبير جداً بأن لايغزو السوفييت أفغانستان.
اليوم فقط أمريكا من يستطيع حماية المصالح الغربية في الخليج. لاتملك أي دولة من المؤيدين للغرب في الخليج القدرة الكافية لتنفيذ هذا العمل. ليس لدى أي من حلفائنا في أوروبا الغربية قوة أو رغبة في إنجاز هكذا عمل. لذلك يتعين علينا اتخاذ إجراء بشأن هذه القضية المصيرية.)
“انتصار بدون حرب\ريتشارد نيكسون\ص134 و135”

ومع اندلاع الثورة الإيرانية وجد فراغ في القوة بالشرق الأوسط وليس هنالك قوة يمكنها الحفاظ على المصالح الاستراتيجية لأمريكا وحلفائها. وأمريكا لم يكن لديها تواجد مباشر في الحرب واستطاعت أن تدخل نفسها بشكل مباشر. ولكن مع انهيار الاتحاد السوفيتي ما المخاطر التي تهدد المصالح الأمريكية والتي أجبرت أمريكا على وضع خطة والتواجد المباشر في الشرق الأوسط؟
(كان لدى دونالد ريغان أسباب وجيهة لمنع العراق من الهزيمة في الحرب [الحرب مع إيران]. لأنه في حال انتصرت إيران فسوف تجلب الرجال الشيعة ذوي العقليات مثل باقر الحكيم إلى السلطة وتسيطر على الموارد النفطية الهائلة للبلدين.
حيث خشي استراتيجيو ريغان من أن تصبح إيران قوة بلا منازع في الخليج وبالتالي توسيع إسلامها الثوري إلى الهلال الشيعي في الخليج. هلال يشمل البحرين والكويت والمحافظات الشرقية النفطية بالسعودية )
“نهاية العراق\بيتر غالبريث\ص38”

سعت أمريكا في عهد ريغان إلى تطويع إيران وذلك بأن تبقى الحرب بين إيران والعراق بدون انتصار ومن ناحية أخرى من أجل تعزيز الجيش العراقي من قبل أمريكا لمواجهة إيران هنالك خطر بأن يُعرّض العراق المصالح الأمريكية للخطر ويقوم الاتحاد السوفيتي بإضعاف إيران.
(إذا كان هنالك حرب لم يكن بوسع أمريكا أن تتحمل فيها الهزيمة لأي طرف فإنها الحرب بين إيران والعراق. حيث ستؤدي هزيمة العراق إلى الهيمنة الأصولية الإيرانية على الكويت والسعودية ومنطقة الخليج بأكملها. كما أن الإيراني الذي يفقد كل قوته جرّاء الخسائر البشرية الفادحة سيكون عرضة للتآمر والتخويف السوفيتي)
“انتصار بدون حرب\ريتشارد نيكسون\ص137”

لذا من أجل احتواء إيران والعراق كانت أمريكا في عهد جورج بوش الأب بحاجة للعمل بشكل مباشر من أجل الحفاظ على مصالحها. وأدى ذلك إلى استياء بن لادن والإسلاميين. وذلك لأنهم حاربوا لسنوات من أجل إخراج السوفييت من العالم الإسلامي والآن قوة أجنبية أخرى تدخل العالم الاسلامي. حيث كانت بداية موقف بن لادن ضد أمريكا مع بداية الذهاب من السعودية للسودان وباكستان وفي النهاية إلى جبال تورابورا بأفغانستان وكذلك الهجوم على مصالح وحلفاء أمريكا في العالم وأيضاً بداية لحرب عسكرية بين الطرفين. هذان الحدثان أي انتقال المهاجرين اليهود السوفييت إلى إسرائيل ودخول القواعد العسكرية الأمريكية إلى منطقة الشرق الأوسط والعالم الاسلامي كانا كافيان لجعل بن لادن يعتقد أن الإمبراطورية الأمريكية ستكون مشابهة للإمبراطورية السوفيتية.
(اعتقد بن لادن وأصر أن أمريكا ضعيفة. في الأعوام التي سبقت الحادي عشر من أيلول أشار بإفراط إلى ضعف أمريكا لمن حوله وألحق ذلك بأمثلة عن الضعف العسكري لهذا البلد لأفراده وأتباعه؛ مثل الانسحاب الأمريكي من فيتنام في السبعينات ومن الصومال في التسعينيات و…الخ وقال مبتهجاً: الوضع النفسي للجنود الأمريكيين فاجأ أبنائنا وسرعان ما أدركوا بأن الجندي الأمريك جبان…كما ذكّر بن لادن أتباعه بأن الأمريكيين يحبون الحياة بالقدر الذي هم يحبون فيه الموت. وأي خطوة على الأراضي الأفغانية ستجعلهم خائفين للغاية وذلك لأنهم لن ينسوا أبداً الهزيمة السوفيتية الكارثية على يد بن لادن وأتباعه وهم ضعفاء ولاحول لهم مثل السوفييت)
“صيد الذئب الأبيض\ بيتر إل برغن\ص27”

أدرك بن لادن بأنه ليس هنالك طريقة ليجعل أمريكا تغزو أفغانستان ما لم يتحرك في بيرل هاربر. وكان يعتقد بأنه سيتم دفن إمبراطورية آخرى بعد الإمبراطورية البريطانية والسوفيتية بأفغانستان وهي الإمبراطورية الأمريكية.
(في اللحظة التي أصبح واضحاً بأن أمريكا تستعد لغزو أفغانستان كتب بن لادن بتاريخ 3 تشرين الأول راسلة لملا عمر وحذّره وفقاً للإستفتاء الذي تم بأن 70% من الشعب الأمريكي أصيب بمشكلات نفسية بعد هجمات 11 أيلول. وذكر بن لادن في هذه الرسالة بأن هجوم أمريكا على أفغانستان سيؤدي لدمار أمريكا وذلك لأنه بلا شك ستتحمل أمريكا أعباء مالية ثقيلة وستعاني مثلما عانى السوفييت سابقاً ومصيرها هو ذات مصير السوفييت أي الانسحاب من أفغانستان والتفكك والدمار)
“ذاتها\ص40”

لم يكذب بن لادن على رفاقه وأتباعه حول حالة أمريكا ومدى ارتفاع المشاكل والتناقضات في أمريكا وكم من الناس يعانون من المشاكل وهذه المشاكل لم تكن في زمن بن لادن فحسب! حيث تفاقمت هذه المشاكل بعد 11 أيلول في أمريكا!
(في كانون الثاني 2014م ألقيت مواد كيميائية سامة في نهر ELK بفرجينيا الغربية وتلوثت مياه الشرب في تسع مدن حول العاصمة مما أجبر السكان على شرب المياه المعبأة لمدة شهرين. حيث اتضح أنه تسريب من صهاريج لم يتم فحصها منذ 15 عاماً من قبل المؤسسات الحكومية.. هل يقرر مواطنو أقدم جمهورية دستورية في العالم بأصواتهم على أن سلامة وصحة مياه الشرب أقل أهمية من تحويل حقائب المال للحاكم الفاسد بأفغانستان الذي يدعى حامد كرزاي والذي لم يثبت ذلك رسمياً ووفقاً لتقارير بأن ثروته تبلغ عشرات ملايين الدولارات)
“الحكومة الخفية\مايك لافغرين\ص114”

ولايتعلق الأمر بانتقادات اليساريين الأمريكيين! حيث يعترف بذلك مسؤولون ومرشحون للرئاسة الأمريكية بذلك.
(في نيسان 2014م كانت لي تجربة مماثلة عندما قرأت قصة في صحيفة حول أزمة المياه في فلينيت ميشيغن. أصيب عدد من الأطفال بمرض التسمم بالرصاص. على مايبدو بأن المسؤولين في أمريكا لم يستطيعوا اختبار أو تصفية المياه بشكل جيد من الأملاح… المدينة التي كانت معروفة بإنتاج السيارات… أصبحت تدريجياً مدينة بدون عمل وفارغة نتيجة إغلاق المصانع. حيث كان متوسط دخل الأسرى في عام 2013م أقل من 25 ألف دولار وأكثر من 40% يعيشون في فقر وأكثرهم من السود وفي عامي 2013م  و2014م اقترح المدير المالي للطوارىء في المدينة الذي عينه عمدة ميشيغن خطة لتوفير بعض المال بدلاً من شراء مياه الشرب من نظام بلدية ديترويت حيث استمروا بذلك لمدة طويلة أن يأخذوا المياه من نهر فلينت… وذلك قد أزعج بعض الأشخاص ولكن لايمكن إنكار أن الحدث الذي وقع بفلينت لم يحدث أبداً في مجتمع ثري مثل غروس بوينت. كانت سلطات الدولة سريعة بالمساعدة واستخدموا جميع الموارد التي كانت لدينا لحل هذه المشكلة. وكما أن المدارس الثرية في بلومفيلد هيلز لن تبدو أبداً مثل مدارس ديترويت حيث يجلس الأطفال ويتعرضون لهجوم الحيوانات بالصف ويسقط السقف عليهم ونادراً ما تعمل المدافىء)
“ماذا حدث\هيلاري كلينتون\ص237و238”

بعد الغزو الأمريكي للعراق سعى الجهاديون والقاعدة إلى توسيع التحدي مع أمريكا. كانوا يحاولن تبديل العراق مثل أفغانستان لتصبح مستنقعاً لأمريكا. يمكن فهم ما حلّ بالجهاديين والقاعدة في العراق من خلال كتبهم وبياناتهم. نُشر كتاب إدارة القسوة من قبل محمد حسن خليل الحكيم تحت اسم مستعار أبي بكر الناجي عام 2004م. كان عضواً في الجماعة الاسلامية بمصر التي انضمت للقاعدة. يشير هذا الكتاب إلى قرارات القاعدة في العراق وشخصية أبو مصعب الزرقاوي والتي استمرت من قبل نائبيه أبو أيوب المصري وأبو عمر البغدادي ومن بعدهم وفي الحقيقة الأهم أبو بكر البغدادي. ويطلق على الكتاب بيان داعش.
(ليس هنالك شك في أن الانسان يعتقد بأن الله أعطى قوة عظمى لقطبين روسيا وأمريكا، ولكن مع قليل من التفكير سنجد بأن هذين القطبين على الرغم من قوتهما لايمكنهما من بلدهم الرئيسي (روسيا وأمريكا) السيطرة على الأراضي المصرية أو اليمنية، إلا إذا استسلمت دول العالم الثالث لإرادة هذه القوة. صحيح أن هذه القوى العظمى كبيرة وتساعدها قوى الأنظمة الداخلية التي تحكم العالم الاسلامي ولكن هذا لايكفي، لذلك فإن هذا القطبان متمسكان بوسائل الإعلام الكاذب لتصويرهما على أنهما قوى لاتقهر ويحيطون بالعالم  ويستطعون الوصول لأي نقطة على الأرض أو في السماء، كما ولو أنهم يمتلكون قدرة إلهية. ولكن النقطة المثيرة للإهتمام هي أن هذين القطبين صدّقوا كذب وخداع وسائل إعلامهم وبهذا يعتقدون بأنهم قادرون حقاً على السيطرة على جميع أنحاء العالم… ولكن عندما تكون الحكومة قوية بهذا الشكل وتسلّم لهذه القوة الزائفة وتصل لهذا الاعتقاد وتعمل وفقاً لذلك فمن هذه النقطة يبدأ انهيارها. وكما قال بول كينيدي فإن أمريكا قد توسعت بقواتها العسكرية واستراتيجيتها أكثر من اللازم وهذا الأمر سيكون سبب سقوطها. وهذه القوة الهائلة تتحقق بتوحد وتكاتف مجتمع الدولة المركزية ووحدة مؤسساتها؛ وهكذا فإن القوة العسكرية الهائلة وبدون التناغم والتكامل في المجتمع من الممكن أن يكون لهذه القوة الهائلة العسكرية نتائج عكسية. هنالك العديد من العوامل التي تساهم في الانهيار والتي يتم تلخيصها بعبارة عوامل تدمير الحضارة، مثل الفساد الأيديولوجي والانحطاط الأخلاقي والظلم الاجتماعي والأنانية وتقديم الملذات وحب الدنيا على جميع القيم و…)
“إدارة القسوة\ أبي بكر الناجي\ص34 و35”

لايمكن إنكار كلام ناجي. كما يعلم المسؤولون الأمريكيون بأنهم لايستطيعون الدفاع عن مصالحهم بشكل مباشر في كل مكان.
(لاتوجد دولة لديها القوة في أي وقت للدفاع عن مصالحها بقواتها فقط)
“انتصار بدون حرب\ريتشارد نيكسون\ ص129”

حيث ضرب محمد الحكيم مثالاً عن السوفييت واعتبرهم عيّنة ناجحة عن إنهيار إمبراطورية.
(وهذا ماحدث للقطب الشيوعي عندما واجه قوة عسكرية أضعف منه؛ القوة الأضعف التي نجحت بإبادة القدرة العسكرية الروسية. ولكن تجدر الإشارة إلى أن العوامل التالية أدت إلى تدمير روسيا في أفغانستان:… ضعف الوضع الاقتصادي نتيجة الحرب؛ وكذلك النقص في الموارد وتصاعد الأزمات المالية والتي أدت لتصاعد الظلم الاجتماعي. ملاحظة هامة: الضعف الاقتصادي الناجم عن الحرب أو الهجمات المباشرة التي تستهدف تفويض الاقتصاد واحدة من أهم عوامل انهيار الحضارات وتهديدها. كما يتجلى بأنه بسبب الضعف الاقتصادي والظلم الاجتماعي والذي غذّته الحرب أو الصراعات السياسية والانفصال بين مختلف شرائح المجتمع أشعل مركز الدولة. وكما أن قوة مواجهتنا على الرغم من ضعفه على المحور الثالث أي انهيار هيبة الجيش الروسي أثر في قلب الدول التي كانت أنظمتها في أوروبا وآسيا مرتبطة بروسيا وبشكل ما بدأت واحدة تلو الأخرى تخرج عن السيطرة الروسية)
“ذاتها\ض36 و37”

هل كان كلام ناجي أو الحكيم لا أساس له؟ أليست أمريكا تبني على قوة الإعلام وتحريض القوة العسكرية العظمى؟
أفضل تفسير لذلك كلام ترامب شخصياً.
ذكر ترامب مراراً وتكراراً في هذا الكتاب وفي خطاباته قبل توليه السلطة بأنه يجب أن يكون جيشنا قوياً بما يكفي كي لانحتاجه.
(في أوائل أيلول من عام 2015م ألقيت بكلمة أمام جمع كبير في العاصمة واشنطن. وأخبرتهم أننا بحاجة لجيش قوي بما يكفي كي لانضطر لاستخدامه)
“كيف نعيد العظمى لأمريكا\دونالد ترامب\ص19”

يصف ترامب عقيدته بهذه الطريقة.
(إن نهجي للسياسة الخارجية يقوم على أسس راسخة: اعمل من موقع قوة. وهذا يعني أنه يجب أن يكون لدينا أقوى جيش شهده العالم. يجب علينا إظهار الرغبة في استعدادنا لاستخدام قوتنا الاقتصادية لمكافأة البلدان التي تتعاطف معنا ومعاقبة من لايرافقنا…. كتبت منذ خمسة عشر عاماً أنه لايمكننا متابعة أهداف تقدمنا العسكري والسياسة الخارجية بميزانية عسكرية متقلصة. أفضل طريقة لتجنب الاضطرار إلى استخدام قوتنا العسكرية هو إظهار تلك القوة. عندما تعلم الشعوب بأننا سنستخدم القوة في حال لزم الأمر وأننا جادون في إكمال هذا العمل فسوف يعاملوننا بشكل مختلف؛ أي أننا سنحترم. في الوقت الراهن لا أحد يصدقنا وذلك لأننا أضعفنا من نهجنا تجاه السياسة العسكرية في الشرق الأوسط وأماكن أخرى.)
“كيف نعيد العظمى لأمريكا\دونالد ترامب\ص50 و51”

بشكل جيد يبين المحتوى أعلاه بأنه قبل الواقع العسكري فإن قوة الإعلام وإظهار العظمة هو من يبقي على أمريكا. وذكر ذلك مرات عديدة.
(كل شيء يبدأ من جيش قوي، كل شيء. سيكون لدينا أقوى جيش في التاريخ وسيزود بأفضل الأسلحة والمعدات الدفاعية. أي أفضل منظومات الصواريخ وأفضل التدريبات ومعدات الحرب الإلكترونية وأفضل الجنود المُدربين. وعندما يعود جنودنا المتعبون والمصابون بعد الحرب إلى الديار لايجب أن ينتظروا أشهراً لتلقي العلاج)
“ذاتها\ص66”

يكرر هذا عدة مرات! دبلوماسية قوية.
(يجب أن يكون جيشنا هو الأكبر في العالم بأي شكل؛ في هذه الحالة عندما نتفاوض مع الدول مثل إيران نتفاوض من موقع قوة وعندما يعود جنودنا للديار يجب أن يتلقوا العناية التي يستحقونها. هذا دين قومي والذي يجب أن نتطلع في الإنفاق له)
“ذاتها\ص183”

على عكس الدعاية التي يروج لها لم يكن الوضع الأمريكي بأفغانستان جيداً أبداً. وقد عانت أمريكا من تناقضات كبيرة. تم إنفاق مليارات الدولارات من ثروة شعبه من أجل بقاء إمبراطوريته وإعادة الهدوء إلى النقاط التي تأتمر بأمره وضحى بالعديد من الجنود. وقبل ترامب كانت الجهود مستمرة في أمريكا لعدم مواجهة تكرار الكارثة السوفيتية في أفغانستان. وقد أشار وزير خارجية أوباما إلى ذلك.
(في المحادثات الأولى بيني وبين هالبروك تحدثنا عن الطرق الممكنة من أجل حل الأزمة وإنهاء الصراع. لقد وجنا طريقان لحل المسألة. من الأسفل للأعلى أو من الأعلى للأسفل. الطريقة الأولى واضحة. وبما أن مقاتلي طالبان من المستوى المتدني ليسوا أيديولوجيين وأغلبهم من العمال والمزارعين والذين نهضوا لمحاربة الفقر والفساد الذي يسود بلادهم. إذا عرض عليهم العفو خاصة بعد الضغط وهجوم القوات الأمريكية فإنهم سيفضلون بأن يتركوا ساحة المعركة ويستمرون بحياتهم كمواطنين عاديين. في حال كان الكثير منهم راضٍ بهذا فإن العديد من المناطق المتوترة ستخلوا من القوات وستتمكن حكومة كابول من إدارة الأزمة بشكل أسهل. الطريق من الأعلى للأسفل أكثر تحدياً ولكنه نهائي. كان قادة طالبان متدينين ومتعصبين حيث أمضوا كامل عمرهم بالحرب. كان لديهم علاقة عميقة بالقاعدة وعلاقات وثيقة مع ضباط الأمن الباكستانيين ولديهم عداء شديد للحكومة المركزية الأفغانية. وكان من المستحيل إرضاؤهم بنهاية الحرب. ولكن الضغط العسكري عليهم سيجبرهم على اتخاذ خيار التفاوض)
“الخيارات الصعبة\هيلاري كلينتون\ص146”

كانت باكستان حليف الغرب وأمريكا بالحرب الباردة على خلاف الآن حيث أن لديها تناقض في المصالح مع أمريكا وكان دعم باكستان لطالبان ورقة رابحة لها في أفغانستان.
(إن إحدى العقبات التي واجهت الأفغان في جهودهم الأولى لتحسين الوضع كانت قوات الأمن الباكستانية والمعروفة باسم آي اس آي. كان لدى عملاء وقوات آي اس آي علاقة وصداقة قديمة مع طالبان وتعود لزمن مرحلة الحرب مع القوات السوفيتية في الثمانينيات. حيث جعلوا باكستان ملاذاً آمناً لطالبان ولايريدون أي سلام بينهم وبين الحكومة الأفغانية)
“ذاتها\ص148”

مدوّنة: شايان اويسي  

تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *