الممر الأوسط؛ خطة تركيا للاتصال بالصين!

الأحد 4 ديسمبر 2022 - 15:46
https://arabic.iswnews.com/?p=28744

وقّع وزراء خارجية تركيا وأذربيجان وكازاخستان وجورجيا، أخيراً يوم الجمعة، خارطة طريق لأعوام 2022 وحتى 2027 من أجل تطوير طريق النقل الدولي عبر بحر قزوين أو ما يعرف بـ”الممر الأوسط”. وتهدف هذه الخطة إلى احتكار طريق التجارة الصيني وستسبب أكبر قدر من الضرر لروسيا وإيران.

خطوة يراها مراقبون مزعجة لروسيا ومفيدة للصين، فيما تدعمها دول أوروبية في إطار مساعيها لنزع كل أوراق الضغط الاقتصادية من يد موسكو. خارطة الطريق تلك تم التوقيع عليها خلال الاجتماع الثاني لوزراء خارجية ونقل تركيا وأذربيجان وكازاخستان وجورجيا في مدينة أكتاو الكازاخية، وتهدف إلى زيادة طاقة الممر الأوسط إلى 10 ملايين طن سنويا بحلول العام 2025.

وفي كلمة له خلال الفعالية، أوضح وزير خارجية كازاخستان مختار تيلوبردي أن اجتماع اليوم مهم لاتخاذ خطوات عملية لتعزيز التعاون في منطقة بحري قزوين والأسود وليس فقط لتطوير ممرات النقل الدولية بين الشرق والغرب عبر بحر قزوين. وشدد على أن الاجتماع الثلاثي الذي عقد بباكو، في يونيو/حزيران الماضي، أكد أهمية تنفيذ مشاريع مشتركة لتبسيط الإجراءات الجمركية على طريق “الممر الأوسط”. وأكد أهمية توقيع خارطة الطريق لتطوير طريق “الممر الأوسط”، مضيفاً: “نهدف عبر هذه الوثيقة إلى تنفيذ مشاريع واضحة وليس التنسيق فقط” وأعرب الوزير الكازاخي عن سروره لرؤية جورجيا بينهم في الاجتماع، قائلاً: “تمر معظم مشاريع النقل الكبرى عبر الأراضي الجورجية ونحن متفائلون بشأن تطوير قدرات خط سكة حديد “باكو – تبليسي – قارص”، وكذلك خطي أنابيب نفط “باكو – تبليسي – جيهان”، و”باكو – سوبسا”. ولفت إلى أنهم يخططون للبدء بنقل النفط عبر خط أنابيب “باكو – تبليسي – جيهان” اعتباراً من العام المقبل.

ما هو “الممر الأوسط”؟

“الممر الأوسط” هو طريق يربط الصين وآسيا الوسطى بأوروبا عبر كازاخستان وبحر قزوين وجمهورية أذربيجان وجورجيا وهو البديل للـ”ممر الشمالي” الرابط بين الصين وأوروبا عبر روسيا.

ويعتبر هذا الممر ضمن 3 ممرات للتجارة العالمية بين الصين وأوروبا، بجانب “الممر الجنوبي” و”الممر الشمالي”، ويبلغ طوله 4256 كيلومتراً بين الطرق البرية والسكك الحديدية إضافة إلى 508 كيلومترات عبر البحر. وينطلق هذا الممر من مدينة كاشجر الصينية، ومنها إلى قرغيزستان، فأوزبكستان، ثم إلى ميناء تركمانباشي في تركستان. ومن تركستان يتم نقل كل البضائع عبر حاويات إلى أذربيجان، ومنها إلى جورجيا، ثم إلى تركيا، وتحديداً محطة قارص للسكك الحديدية، ثم إلى إسطنبول، أو الموانئ البحرية التركية، ومنها إلى أوروبا وبقية دول العالم.

ولتوضيح أهمية هذه الممر، تشير الأرقام إلى أن قطار الشحن المنطلق من الصين إلى أوروبا عبر “الممر الأوسط” يقطع مسافة 7 آلاف كيلومتر في 12 يوماً، مقارنة بمسافة 10 آلاف كيلومترات ومدة لا تقل عن 15 يوماً في حال عبور “الممر الشمالي”، و20 ألف كيلومتر ومدة تتراوح بين 45 و60 يوماً في حال عبور “الممر الجنوبي”. ولذا تؤكد وزارة النقل والبنية التحتية التركية أن “الممر الأوسط” هو الأسرع مقارنة بـ”الشمالي” الذي يعبر من روسيا.
وارتفع حجم الشحنات التي تمر عبر “الممر الأوسط” 3 أضعاف خلال العام الجاري ليصل إلى 845 ألف طن خلال الأشهر السبعة الأولى مقارنة بحوالي 311 طناً خلال ذات الفترة من العام الماضي.

تركيا المستفيد الأكبر

تعتبر تركيا من الدول الراعية والداعمة لـ”الممر الأوسط”، وهي المفاوض والمحاور الأساسي لكل الدول التي يعبر منها الممر بداية من الصين وصولاً لأذربيجان. وتعتبر من أكبر الدول المستفيدة من هذا الممر الذي سيجعلها نقطة الوصل الحقيقية بين آسيا وأوروبا في نقل البضائع. ويعد استكمال خط سكة الحديد (باكو- تبليسي ـ قارص)، الذي يربط أذربيجان بجورجيا وصولاً إلى تركيا، من أهم المشاريع التي تركز عليها أنقرة، ومن المتوقع أن تصل قدرته الاستيعابية إلى 17 مليون طن من البضائع سنوياً.

أذربيجان أيضاً من الدول المستفيدة من الممر الأوسط؛ إذ تسعى لاستغلال الوضع الحالي للتحول نحو ممر تجاري وطاقي حيوي عالمي. وتقوم أذربيجان حالياً بتوسيع منطقة التجارة الحرة في بلدة تبعد نحو 70 كيلومتراً جنوب العاصمة. كما تم بالفعل الانتهاء من تجديد وتوسيع ميناء باكو على مرحلتين الأولى انطلقت سنة 2012 والثانية سنة 2020، ويقع في الطرف الغربي من بحر قزوين، والذي سيكون نقطة الوصل بين كل الشحنات التي تصل من الصين إلى تركمانستان، وقد تم تصميم الميناء لنقل الحاويات والسلع من الشرق إلى الغرب.

ولتعزيز قوة “الممر الأوسط”، تخطط كل من أذربيجان وكازاخستان وجورجيا لتطوير طريق نقل جديد قادر على نقل 200 ألف حاوية سنوياً. ولتسهيل مرور الشاحنات، تخطط الدول الثلاث لوضع تعريفات موحدة لشركات الشحن المحلية وتسهيل عمل شركات النقل. وتتوقع الدول التي تشارك في “الممر الأوسط” ومشاريع تطويره أن تصل أرباحه السنوية إلى مليار دولار، وهو رقم من المتوقع أن يرتفع خلال السنوات المقبلة مع زيادة الاعتماد عليه وتراجع الاعتماد على الممر الشمالي الذي يمر عبر روسيا.

وتشجع كل الظروف على الاعتماد على الممر الأوسط، خاصة أن العبور عبر السكك الحديدية الروسية على طول الطريق بين الصين وروسيا وأوروبا ارتفع سعره بحوالي النصف خلال سنة 2021 مقارنة بسنة 2020. كما أن خط السكك الحديدية بين الصين وروسيا بلغ مستواه الأقصى، ولم يعد بالإمكان زيادة حجم الحاويات التي تمر عبره حتى قبل اندلاع الحرب.

لما تدعم الصين هذا الممر؟

وأطلقت الصين سنة 2013 مبادرة “الحزام والطريق”، التي تتكون من ممرين تجاريين. الأول “الحزام الاقتصادي لطريق الحرير” والذي يعبر آسيا الوسطى وإيران وتركيا وصولاً إلى أوروبا، والثاني طريق مائي، يعرف “بطريق الحرير البحري” وينبع من بحر جنوب الصين ثم المحيط الهندي ثم البحر الأحمر وصولا للبحر المتوسط، وخصصت لهذه الخطة ميزانية قدرها 152 مليار دولار.
وتعترض الخطة الصينية حالياً صعوبة كبيرة أولها كون روسيا باتت تعاني عزلة غربية، وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها في خطة طريق الحرير؛ ولهذا فهي لا تمانع في تسهيل تطوير “الممر الأوسط”، الذي يمكنها من الوصول إلى أذربيجان عبر بحر قزوين، ومنه إلى جورجيا ثم تركيا، بكلفة أقل وفي وقت أقل.

المصدر

هامش:
كان الممر الأوسط مثيراً للجدل للغاية خلال الآونة الأخيرة، ومن خلال دراسة موجزة ، يمكن ملاحظة أن اللاعبين الرئيسيين في هذا المشروع هم أوروبا وتركيا. ومن بين الأحاديث الأولية حول مشروع الممر الأوسط، يتبادر إلى الذهن أن “هذا المشروع له خصوم جادون مثل روسيا وإيران وحتى في الصين، وفي حالة المواجهة الجادة بينهم سيواجه المشروع مشاكل أو سيفشل”. “هذا المشروع ليس هو الأمثل من الناحية الاقتصادية ” و ” الممر الأوسط ليس لديه القدرة على زيادة مستوى عبور البضائع”.

حيث إن إنشاء وتعزيز الممر الأوسط هو مشروع سيحدث بالتأكيد أكبر قدر من الضرر لروسيا وإيران وعلى الرغم من أن هذا المشروع محدد إلى حد ما ضد خطة “الحزام والطريق” الصينية، إلا أنه يسعى في النهاية إلى الالتفاف حول دول روسيا و إيران وليس قطع الطريق التجاري للصين. ويوجه الأوروبيون والصين وحتى دول الخليج رؤوس أموالهم نحو دول آسيا الوسطى، من خلال إنشاء آليات مختلفة وتعميق دبلوماسيتهم، وقد أدركوا أن الصين لا يمكن أن تواجه عقوبات اقتصادية وأن السبيل الوحيد هو احتكار طريق التجارة الصيني والقضاء على اللاعبين الآخرين.

لقد أدرك الغرب ودول الخليج وتركيا والدول المتأثرة بها في المنطقة مثل كازاخستان وأذربيجان وطاجيكستان، إلخ، جيداً أن الصين تسعى إلى تأمين مصالحها الاقتصادية في الدبلوماسية الخارجية، والقضايا الأخرى هي أقل أولوية بالنسبة لهم. ومن ناحية أخرى، فإن الآليات الأمنية القائمة في المنطقة، مثل منظمة معاهدة الأمن الجماعي ومنظمة شنغهاي للتعاون، لم تظهر الكثير من المبادرات في السيطرة على أمن المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وفي رأي العديد من المحللين الأجانب، تحولوا إلى منظمات ديكورية فحسب. وقد كانت هذه المنظمات سلبية وواضحة للعيان خلال الأشهر القليلة الماضية أثناء النزاع الحدودي بين طاجيكستان وقيرغيزستان.

وفي خضم ذلك، تعمل آليات مثل منظمة البلدان الناطقة بالتركية التي تركز على تركيا بالتعاون مع جمهورية أذربيجان وقيرغيزستان وأوزبكستان وكازاخستان وتركمانستان على توسيع أنشطتها وتأثيرها. وبالإضافة إلى زيادة رأس المال العربي في منطقة آسيا الوسطى، وتزايد نفوذ الولايات المتحدة في بلد مثل طاجيكستان، إلى جانب تزايد الوجود الأوروبي في آسيا الوسطى والتأثير الواسع للكيان الصهيوني في أذربيجان، تشير إلى أن هذه الدول تحاول تعطيل النظام الجديد الذي خططت له روسيا وإيران في هذه المنطقة وإظهار نفسها على أنها تعوض عن دور روسيا في الاقتصادات المرتبطة بهذه الدول.

كما يمكن تحليل خطة “الممر الأوسط” في ذات الإطار، فقد حاولت الجهات الفاعلة في هذا المشروع إظهار طريق العبور هذا بكفاءة وبشكل أمثل حتى يتمكنوا من إقناع الصين باستبدال هذه الخطة بطريق عبر إيران وطريق عبر الصين. وعلى الرغم من أنه يبدو أن هذه الخطة غير قادرة على تعويض السعة الكاملة للطريق عبر إيران والطريق الشمالي، إلا أن الإصرار ببساطة على استخدام هذا الممر وتوسيعه يمكن أن يقلل الانتباه إلى الطرق الأخرى ويشكل تهديداً للآفاق الاقتصادية لإيران وروسيا.

اقرأ المزيد: الولايات المتحدة التركية تتطلع لتشكيل جيش طوران!

شارك:
تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *