إلقاء الضوء على حركة طالبان باكستان ودراسة تشكيلاتها وتاريخها

 أحمد علوي
المؤلف: أحمد علوي
الخميس 3 فبراير 2022 - 20:08
https://arabic.iswnews.com/?p=13452

حركة طالبان باكستان، هو اسم جماعة إرهابية في المناطق القبلية في باكستان والتي تنشط ضد الحكومة الباكستانية منذ كانون الأول \ ديسمبر 2007. وتتمتع الجماعة بعلاقات وثيقة مع مجموعات مختلفة، من القاعدة وعسكر طيبة وحتى حركة طالبان الأفغانية.

في تسعينيات القرن الماضي، أسس “حافظ محمد سعيد” و”عبد الله عزام”، وهما أستاذان من أساتذة “أسامة بن لادن”، زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي، جماعة إرهابية أخرى تسمى “عسكر طيبة”، و”مولانا صوفي محمد” ، جماعة  “تطبيق الشريعة المحمدية أو نفاذ شريعة محمدي” في باكستان، والتي أرسل أعضاؤها إلى أفغانستان لمحاربة السوفييت برفقة أعضاء القاعدة.
وبعد انتصار المجاهدين في أفغانستان، أتيحت لهذه المجموعات الفرصة لإنشاء قواعد تدريب على جانبي دوراند (Durand) الحدودية، وقد بنت عشرات القواعد التدريبية في هذه المناطق. وكانت قواعد عسكر طيبة وجيش محمد والقاعدة تحت سيطرة جهاز المخابرات الباكستاني (ISI) في منطقة مريدك بمحافظة لاهور الباكستانية، التي دربت المليشيات ونقلتها إلى أفغانستان.
حيث ساهم جميع أعضاء هذه الجماعات في غزو أفغانستان وذلك لأن أعضاء هذه الجماعات شاركوا في الجهاد ضد الحكومة الشيوعية لأفغانستان وضحوا من أجل نجاح إمارة طالبان الإسلامية في هذا البلد. وأخيراً، في عام 2007، اتحد المنتصرون الأجانب في الحرب الأفغانية، وهم 13 مجموعة مسلحة باكستانية، لتشكيل حركة طالبان باكستان (TTP).

لا يمكن دراسة ومعرفة حركة طالبان الباكستانية دون الرجوع إلى تاريخ طالبان في أفغانستان. وذلك لأن المجموعتين مرتبطتان من ناحية البنية السياسية والأيديولوجية، ومن ناحية أخرى ترتبط الملاجئ والقوى البشرية والقادة الروحانيون والعسكريون لهاتين المجموعتين ارتباطًا وثيقاً ببعضهم البعض على خط دوراند الحدودي.

و استُخدم مصطلح “طالبان” لأول مرة لوصف جماعة سياسية ـ فكرية ظهرت عام 1994 في مدينة سبين بولدك في قندهار جنوب أفغانستان، بآراء اسلامية ديوبندية وعقيدة وهابية. و فتحوا مدينة قندهار المهمة بفتوى الجهاد من زعيمهم الروحي “الملا محمد عمر مجاهد”، ثم توجهوا إلى جلال آباد والعاصمة الأفغانية كابول، للإطاحة بالحكومة الشيوعية.
وفي الوقت الذي كانت حركة طالبان تقاتل فيه في أفغانستان للإطاحة بالحكومة الشيوعية ومن ثم الصراع مع حكومة المجاهدين الذين تألفوا من الطاجيك والهزارة والأوزبك، كانت المناطق القبلية الباكستانية بما في ذلك شمال وجنوب وزيرستان، ملاذاً آمناً وخط إمداد بالسلاح لهم. وبعد أن حكمت طالبان أفغانستان لمدة ثلاث سنوات وحدوث هجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية في الولايات المتحدة، بدأت الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، بضوء أخضر من باكستان، في غزو أفغانستان. وتزامناً مع غزو الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي لأفغانستان في عام 2001، أصبح أعضاء متطرفون من حركة طالبان الأفغانية (بما في ذلك الأوزبك التبار، وحزب الحركة الإسلامية لأوزبكستان، والمهاجرين الشيشان، والحزب الإسلامي لتركستان الشرقية) وأعضاء جماعة القاعدة الإرهابية العرب في المناطق الشمالية والشمال الغربي لباكستان (شمال وجنوب وزيرستان) لاجئين.
وقد تسبب تعاون باكستان مع الولايات المتحدة في غزو أفغانستان، إلى جانب أمر رئيس الوزراء الباكستاني السابق “برويز مشرف” بفرض حصار على المناطق القبلية في البلاد واعتقال أعضاء القاعدة الهاربين على الرغم من التنسيق مع شيوخ القبائل، في مشاكل للجيش الباكستاني.
ودخل الجيش الباكستاني جنوب وزيرستان عام 2003 بعد خمسين عاماً واستمر في عملياته لاعتقال عناصر القاعدة في شمال وزيرستان. وأدى اغتيال الجيش لشيوخ القبائل والشخصيات الروحية في المنطقة إلى اندلاع أول اشتباك للجيش الباكستاني مع طالبان الأفغانية والقاعدة وعسكر طيبة وجيش محمد ومسلحي القبائل المتشددة في شمال وجنوب وزيرستان عام 2004. حيث أدت الاشتباكات إلى انسحاب الجيش من وزيرستان وسيطرة القبائل على هذه المناطق.

فشل خطة إقامة دولة إسلامية في باكستان، والبنية الطائفية والعرقية، ونظام المدارس الدينية المبنية على الوهابية، وإرسال القوات الجهادية الباكستانية لأفغانستان، والاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية خاصة في مناطق شمال وجنوب وزيرستان، والدعم الخارجي والداخلي من قبل أفراد وجماعات غير معروفة هي من ضمن الأسباب المختلفة لتشكيل حركة طالبان الباكستانية. ولكن غارة لمسيرات تابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية على مدرسة دينية تابعة لتطبيق الشريعة المحمدية في منطقة باجور أجينسي عام 2006، والتي أسفرت عن خسائر فادحة، كانت السبب الرئيسي لصعود حركة طالبان الباكستانية. وذلك لأنه أدى إلى إجماع جميع الجماعات المسلحة والمتطرفة الباكستانية على إعلان الجهاد ضد الولايات المتحدة والحكومة الباكستانية.

في عام 2007، تحرك مسلحي 13 جماعة، بما في ذلك جماعة الـ”ملا نذير” في شمال وزيرستان، وجماعة تطبيق الشريعة المحمدية بقيادة “صوفي محمد “، وجيش محمد ، وعسكر طيبة ، والقاعدة ، والأعضاء الهاربين من حركة طالبان الأفغانية، ومجموعات عرقية مختلفة بقيادة “بيت الله محسود” من شمال وزيرستان لتأسس حركة طالبان باكستان. وذكروا أن هدفهم هو الدفاع عن الشريعة المحمدية، ومحاربة جيشي باكستان وأمريكا، وإنشاء إمارة إسلامية ترتكز على شعب البشتون في باكستان.
وفي عام 2008، أرسل “ملا محمد عمر مجاهد”، زعيم حركة طالبان الأفغانية، وفداً برئاسة “ملا عبد الله ذاكر” إلى باكستان وطلب مساعدة مالية من طالبان الباكستانية. كما دعاهم الملا عمر إلى تنحية خلافاتهم جانباً وإرسال قوات لمساعدته في محاربة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. “بيت الله محسود” ، “حافظ غل بهادر”، و”ملا نذير”، ممن لهم تاريخ في الجهاد في أفغانستان ، قبلوا عرض زعيم طالبان، وبايعوا “ملا محمد عمر مجاهد”، وشكلوا مجلس وحدة المجاهدين. في الحقيقة لم يستمر هذا المجلس أكثر من عام ولم يكن له وظيفة خاصة.
الاشتباك بين حركة طالبان باكستان والجيش الباكستاني لم يشتد حتى عام 2007. ولكن بين عامي 2006 و 2008، تصاعدت حدة الاشتباكات بشكل كبير. وبلغ العدد الإجمالي للعمليات التي نفذتها الجماعات المسلحة ضد الجيش الباكستاني من 2001 وحتى 2007 نحو 30 عملية، وبلغ حجم العمليات من 2007 وحتى 2009 269 عملية. وقد وقعت الاشتباكات في كثير من الأحيان في المناطق القبلية في خيبر بختونخوا، وكانت المناطق الحدودية الأخرى أقل توتراً.

وأهم عملية نفذتها حركة طالبان الباكستانية كانت اغتيال “بينظير بوتو”، رئيسة الوزراء السابقة وزعيمة حزب الشعب الباكستاني. وقد نفذ هذا الاغتيال في 27 أيلول\ديسمبر 2007 من قبل انتحاري باكستاني يدعى “كرامة الله بلال”، وهو عضو سابق في تنظيم القاعدة الإرهابي. حيث أطلق عدة طلقات على بوتو، ومن ثم قام بتفجير نفسه مما أدى إلى 22 ضحية، بينهم “بينظير بوتو”. ومع ذلك، نفت القاعدة مسؤوليتها عن هذا الهجوم، ومن ثم أدين زعيم طالبان الباكستانية “بيت الله محسود” في النهاية باغتيال “بينظير بوتو”. وقد تمت ملاحقته من قبل حكومة برويز مشرف في الأشهر التالية لهجمات إرهابية أخرى. حيث قُتل عام 2009 في عملية لمسيرة تابعة لقوات الاستخبارات المركزية الأمريكية في شمال وزيرستان. ومع ذلك، لم يؤكد المتحدث باسم طالبان الباكستانية ذلك، وأعلن أن سبب وفاته كان المرض. وبعد يومين من مقتل “بيت الله محسود”، عين مجلس طالبان الباكستاني المكون من 42 عضواً نائبه، “حكيم الله محسود”، لقيادة المجموعة. حيث كثف العمليات الجهادية ضد الجيش والحكومة الباكستانية، ووسع نطاق الهجمات ضد المدنيين الشيعة. حتى قُتل في غارة بطائرة بدون طيار نفذتها وكالة المخابرات المركزية في شمال وزيرستان عام 2013.
وبعد اغتيال “حكيم الله محسود”، عين مجلس طالبان المكوّن من 42 عضواً “قاضي فضل الله حياة” زعيماً لحركة طالبان باكستان.
ووقعت أعنف عمليات طالبان الباكستانية ضد الجيش والحكومة الباكستانية في 16 أيلول\ديسمبر 2014. ففي هذا الهجوم، دخل خمسة من عناصر طالبان الباكستانية وهم يرتدون الزي العسكري للكلية الحربية بوزارة الدفاع في محافظة بيشاور. حيث أسفر الهجوم عن مقتل 149 طالباً ضابطاً الذين كانوا أبناء عسكريين في الجيش وأصيب 122 آخرين. وفي أعقاب هذه الهجمات، حاول الجيش الباكستاني الدخول في محادثات مع طالبان الباكستانية. وبعد الاجتماع الأول بين ممثلي الحكومة وطالبان، انفصلت مجموعة “مولانا عمر” عن طالبان الباكستانية احتجاجاً على الأمر. وفي 2014، أعلنت جماعة “محسود” انفصالها عن حركة طالبان باكستان وشكلت فرع لطالبان في جنوب وزيرستان. حيث وجّه هذا الانفصال ضربة قوية للهيكل التنظيمي لحركة طالبان الباكستانية، ورغم انضمام جماعة الأحرار بقيادة “عمر خالد الخراساني” إلى حركة طالبان الباكستانية، إلا أن وضعهم لم يتغير كثيراً.

زادت عمليات طالبان باكستان (TTP) ضد مواقع الجيش بشكل كبير من عام 2009 وحتى عام 2019، مما رفع إحصائيات الهجمات إلى أكثر من 1780 هجوماً.
هجوم طالبان الباكستانية على قاعدة مهران البحرية والاشتباك الذي دام لـ15 ساعة مع الجيش، الذي أسفر عن مقتل 13 جندياً باكستانياً وتدمير عدد من الطائرات العسكرية، هي من ضمن الهجمات الكبيرة على المواقع العسكرية الباكستانية. ووقع ثاني أكثر الهجمات دموية في هذا العقد في عام 2017. حيث قُتل وجُرح أكثر من 70 مسيحياً باكستانياً في هجوم انتحاري نفذه عضو في جماعة الأحرار الإرهابية (فرع من حركة طالبان الباكستانية) خلال احتفال المسيحيين بالعيد في منتزه شرقي محافظة لاهور.

وبعد مقتل “قاضي فضل الله حياة” على يد القوات الأمريكية في محافظة كنر شرق أفغانستان و “خالد محسود” الرجل الثاني من حركة طالبان في ولاية باكتيكاي بأفغانستان في عام 2017، تم تعيين شخص آخر لقيادة طالبان الباكستانية من قادة حركة طالبان باكستان يدعى “نور ولي محسود”، من قبيلة محسود في جنوب وزيرستان.
حيث كان “نور ولي محسود” من سكان منطقة ميرام شاه في جنوب وزيرستان، وقد تلقى دروساً دينية في منطقة فيصل أباد بمحافظة بنجاب. وهو أحد أكثر قادة حركة طالبان تطرفاً وهو من الذين شاركوا في مرحلة حرب طالبان الأفغانية مع التحالف الشمالي (أحمد شاه مسعود و…). وبعد أن تولى “نور ولي محسود” قيادة حركة طالبان باكستان، انضمت مجموعة محسود أيضاً إلى طالبان الباكستانية بعد ثلاث سنوات من الانفصال.

وفي الوقت الراهن تتعاون حركة طالبان الباكستانية مع مختلف الجماعات المسلحة التابعة لها في جميع أنحاء البلاد والجماعات الأجنبية من شبكة حقاني إلى جيش العدل. ويقدر عدد أعضاء هذه الجماعة الناشطين بما يتراوح بين 20 و 25 ألفاً، حيث تم إرسال 6000 منهم لمساعدة حركة طالبان الأفغانية.

وبالتزامن مع انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان وسقوط حكومة كابول في 15 آب\أغسطس 2021، تحدثت حركة طالبان باكستان، تحت ضغط من الجيش الباكستاني، مع الحكومة الباكستانية بوساطة زعيم شبكة حقاني “سراج الدين حقاني”. ودعا ممثلو طالبان الباكستانية خلال المحادثات إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في المناطق القبلية الباكستانية وإطلاق سراح سجناء طالبان من قبل الحكومة. وقبلت الحكومة الباكستانية طلب طالبان، وأعقب ذلك هدنة قصيرة لوقف إطلاق النار. ولكن بعد ذلك بوقت قصير، لم تتصرف الحكومة بناءً على مطالب طالبان، واستأنفت طالبان هجماتها، وبهذا الشكل فشلت المحادثات.

بشكل عام، يعتبر تحقيق سلام مستقر في باكستان طريقاً صعباً. وذلك لأن مجتمع هذا البلد لا يزال يواجه ثقافات القبائل الخاطئة وما يسمى بالحكومة الإسلامية لم تتمكن من إرساء توقعات وقيم “حكومة إسلامية”. وفي خضم ذلك ، كان الجيش الباكستاني في طليعة الخطط الرئيسية، وقد خلفت خطته لمكافحة الإرهاب حتى الآن أكثر من 18000 ضحية على أيدي طالبان الباكستانية وكافة الجماعات الأخرى. حيث أن الحديث عن سلام مستقر في باكستان ضمن هذه الظروف مجرد شعار.

شارك:
تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *